البطريرك سمعان عوّاد (1683-1756)![]() دفع الإضطهاد الذي كان يضغط على شمال لبنان وعلى مسيحييه عامة" والموارنة خاصة" من قبل الاتراك من جهة، ومن قبل عائلة حماده الملتزمة ضرائب مناطق الزاوية وبشري والبترون وجبيل، والجور والبلص والتعدّيات التي كانوا يلحقها الحماديون بالناس وبالكنيسة، دفعت البطريرك لترك الدير البطريركي التاريخي في قنوبين واللجوء الى دير مشموشه، الدير الذي انشأ عندما كان أسقفا"، كما سنرى، في قضاء جزين، قرب عاصمة الإمارة اللبنانية في دير القمر. هذه الإضرابات دفعت روما للتدخل فأرسل البابا رئيس رهبان الفرنسيسكان لمعالجة الوضع، فجاء الفرير دزيداريو إلى مشموشه وقابل البطريرك، وقدّم له "الباليوم" أي درع التثبيت، ورسائل البابا والهدايا خلال إحتفال مهيب. ونزولا" عند رغبة البابا بنديكتوس، دعا البطريرك سمعان إلى مجمع للطائفة المارونية في دير مشموشه. أهمية البطريرك سمعان عوّاد لا تكمن في سلوكه الرسولي وإيمانه فقط، بل في أنه كان مؤلّفا" لعدة كتب لا يزال أكثرها مخطوطا". ومنها: بطاركة المشرق الاربعة، كتاب البراهين عن الايمان المسيحي، كتاب النجاة في الوعظ والإرشاد، تفسير بشائر الإنجيل الاربعة، كتاب مصباح الأخبار، حياة البطريرك اسطفانوس الدويهي، وغيرها من الكتب. تأسيس دير سيدة مشموشه على يد المطران سمعان عوّاد في 1730 جاء المطران سمعان عوّاد الى منطقة جزين مندوبا" عن عمّه البطريرك يعقوب عوّاد (1705-1732) ليكون مسؤولا" عن الأبرشية الممتدة وقتذاك من صيدا الى فلسطين، وللإطلاع على أحوالها. فشعر بضرورة إيجاد مسكن دائم له، فإختار أرض عين الجوزه قرب مشموشه مقرّا لكرسيه. وكان صاحبا الارض قبلان هرموش من بلدة السمقانية وقرينة الامير ملحم شهاب والدة الامير سيد احمد الشهابي. فاشترى المطران سمعان عوّاد قطعة الارض المذكورة منهما. ثم عمد المطران سمعان عوّاد الى شراء قطعة أرض مجاورة للمكان الذي شيّد عليه الدير من أولاد ابي عتمه من مشموشه في العام 1732. في 1736 إشترت الرهبانية المارونية اللبنانية دير عين الجوزة الذي حمل اسم دير السيدة من المطران سمعان عوّاد بحضور القاصد الرسولي المونسنيور يوسف السمعاني. وعندما إنتخب المطران سمعان عوّاد بطريركا" على الموارنة في 1742، قرر ترك شمال لبنان، وحصرا" دير قنوبين كما ذكرنا، والإقامة في جنوبه ما بين دير سيدة مشموشه وقرية الميدان التي سبق له وإشتراها فأسكن فيها أخاه وإبن أخته وأمّه، ولربما اقرباء آخرين له من آل عوّاد. وقد شهد الدير في عهده في 1744 عقد مجمع رهباني عام وكان برئاسة البطريرك سمعان عوّاد. على ما يبدو كانت إقامة البطريرك في بلدة الميدان في أكثر الأحيان الى جانب أمّه وأهله، الاّ اثناء الواجبات العامة والرسمية وللضرورات الكهنوتية. وكانت إستقبالاته الشخصية في الميدان. ولربما أختار هذه الاقامة المزدوجة، لأن مناخ الميدان ألطف خلال الشتاء من موقع الدير. ونقل البطريرك سمعان عوّاد معه الى الميدان الشفيع الاول لبلدة حصرون القديس لابا، ومن غريب الصدف ان هذا المقام لا نجده إلاّ في حصرون وفي بلدة بشنين في الزاوية وفي الميدان حصرا". في 12 شباط 1756 توفي البطريرك سمعان عوّاد في قرية الميدان، ونقل الى كرسيه في دير سيدة مشموشه حيث دفن، ودفن الى جانبه لاحقا" بعض أقربائه. ولا بدّ من التوقف قليلا" عند مسألة إقامة البطريرك في كرسي مشموشه، وتأثير ذلك على حركة التاريخ في المنطقة. فهذا الحدث من جهة وتحويل المقام إلى دير للرهبانية من جهة أخرى استقطب العديد من العائلات المسيحية عموما" والمارونية خصوصا" وشجعها على النزوح والهجرة الى منطقة جزين. وهذا ما يفسّر هذا الإنقلاب الكبير في الهوية السكانية في المنطقة منذ الربع الثاني من القرن الثامن عشر. |